عبد الملك الخركوشي النيسابوري
286
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
وقال أبو زيد : إذا كان في القلب موضع قد خلا من ذكر اللّه عزّ وجلّ ، لم ينتفع صاحبه به . وقال أيضا : الحياة بالعلم ، والراحة بالمعرفة ، والرزق في الذكر . وقال أيضا : كن في الدّنيا كأنّك في الجنة ، أهل الجنّة لا ينامون من النعيم ، فلا تنم من الذكر . وقال سهل بن عبد اللّه : إنّ للّه تعالى في كل يوم وليلة وساعة عطايا ، وأعظم العطايا أن يلهمك ذكره . - وسئل سهل بن عبد اللّه أيضا عن حياة القلوب ، فقال : حياتها بحياة ذكر اللّه تعالى فيها ، وموتها بموت ذكر اللّه تعالى عنها ، واللّه تعالى حىّ لا يموت . وقال بعضهم : كلّ ذكر غير ذكر اللّه تعالى فهو عيبة . - وسئل سهل بن عبد اللّه ، ما القوت ؟ قال : ذكر الحىّ الذي لا يموت . وقال ضيغم البصري : عجبت للخليفة كيف استنارت قلوبهم بذكر غيرك . وعن الحسن في قوله عزّ وجلّ : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ « 1 » ، قال : لا يجتمع ذكر اللّه تعالى وذكر غيره في قلب إلا غلب أحدهما صاحبه فنفاه . وقال يحيى بن معاذ : ليس من لزم باب الملك لحاجته كمن ألزمه الملك مجلسه لكرامته عليه . فقيل له : من هؤلاء ومن هؤلاء ؟ فقال : العاملون والذاكرون . وعن أبي الجلد قال : أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام : « يا موسى ، إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك من مخافتي ، وكن عند ذكرى خاشعا مطمئنا ، وإذا دعوتني فاجعل لسانك من وراء قلبك ، فإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل ، وذم نفسك فهي أولى بالذم ، وناج حين تناجى بقلب وجل ، ولسان صادق . وقال يحيى بن معاذ في قول اللّه عزّ وجلّ : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 2 » ، قال : نعم اللّه تعالى أكثر من أن تحصى ، ولكنّ أعظمها أنهم كلّما أرادوا ذكر اللّه عزّ وجلّ ذكروه .
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 4 . ( 2 ) سورة إبراهيم : 34 .